كلمة صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
في قدّاس إعلان المؤسّس أبونا يعقوب الحدّاد الكبّوشي طوباويًّا

“حينئذ يسطع الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (متّى 13/43)

نحمد الله على أنّه حقّق الأمنية التي طالما صلّت من أجلها جمعيّة راهبات الصليب اللبنانيّات، وكثير من المؤمنين والمؤمنات في لبنان وسواه من البلدان. وهذه الأمنية هي رؤية صورة الأب يعقوب الكبّوشي ترتفع على مذابح الكنيسة الكاثوليكيّة، بعد أن أعلنته الكنيسة المقدّسة طوباويًّا. وقد جاء في هذا اليوم صاحب النيافة الكاردينال خوسيه سارايفا مارتنس، رئيس مجمع دعاوى القدّيسين السامي الاحترام، ليحتفل بالذبيحة الإلهيّة شكرًا لله على هذه النعمة، ويعلن رسميًّا باسم صاحب القداسة البابا بنديكتس السادس عشر، هذا الحدث التقويّ التاريخيّ الكبير. وبعد أن كان مثل هذا الإعلان يجري في روما، عاصمة الكثلكة، أمر صاحب القداسة أن يجري التطويب في بلد الطوباويّ، حثًّا للمؤمنين على الاقتداء بفضائله، ودفعًا لهم على السير في طريق القداسة. وقد قال أحد االمفكّرين المؤمنين الكبار: “هناك أسف واحد وهو ألاّ نكون قدّيسين”.
وقد أراد أركان الدولة اللبنانيّة، وعلى رأسهم فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان أن يحضروا هذا الاحتفال تقديرًا منهم لفضائل الطوباويّ الأب يعقوب الكبّوشي، واستمطارًا، بشفاعته، لنعمة السلام الذي يتوق إليه لبنان منذ سنوات.
طريق القداسة ليست طريقًا سهلة. وهذا ما أشار إليه السيّد المسيح بقوله: “ادخلوا من الباب الضيّق: لأنّه واسع الباب، ورحب الطريق الذي يؤدّي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون فيه” وقد اختار الأب يعقوب هذا الطريق الضيّق منذ صباه. فمارس الفضائل المسيحيّة التي رأى أبويه يمارسانها، في بلدتهما غزير. وهذا ما دفعه إلى دخول الرهبانيّة الكبّوشيّة في مار أنطونيوس خاشبو في بلدته، وكان ابن ثماني عشرة سنة. وعاش مآسي الحرب الكونيّة الأولى. وقد امتاز بممارسته من الفضائل ثلاثا: الاستسلام للإرادة الإلهيّة، والبساطة المسيحيّة، وعمل الرحمة.

الاستسلام للإرادة الإلهيّة

كان الطوباوي الأب يعقوب الحدّاد شديد الإيمان بالعناية الإلهيّة. لقد قام بأعمال باهرة يقتضي لها مبالغ طائلة. وتسأءل الناس: كيف لهذا الراهب الفقير أن يجد هذه المبالغ الوافرة من المال ليقوم بما قام به من أعمال باهرة. فبنى المستشفيات، والمدارس، ودور العجزة، واستقبل من مرضى الجسد والعقل مَن ترفضهم سائر المستشفيات العاديّة. وغالبًا ما كان يردّد: “إنّ العناية الإلهيّة تساعدني. إنّ اتكالي على الله”. وعندما سأله أحدهم: “كيف محاسبتك. أجاب: لا تحدّثني عن محاسبتي. هذا أمر أجهله. محاسبي هو الله. ولا أحتفظ بشيء، وإنّ ما يصل إلى يدي أنفقه فورًا في سبيل الفقراء. وردًّا على سؤال طرحه عليه أحد الصحافيّين، قال: “إنّ كل ما يعطيناه الله هو لله ولفقراء لبنان. وهو ليس لي، ولا لأهلي الذين يهتمّ بهم الله”. وقال لراهباته: “إنّ الفقراء هم شكّات بأيدينا لأمر العناية الإلهيّة. إذا فهمتنّ جيّدًا ذلك الذي يمثّله الفقراء على الأرض، تخدمنهم وأنتنّ راكعات. ثقوا أنّ مصرف العناية عصيّ على الأفلاس″ . كم كان اتّكاله على العناية الإلهيّة كبيرًا!

البساطة المسيحيّة

عاش عيش الفقر والتقشّف والبساطة المسيحيّة، اقتداءً بالقدّيس فرنسيس الأسّيزي، وعملاً بقول السيّد المسيح الذي قال: “للثعالب أوجار، ولطيور السماء أوكار، أمّا ابن الإنسان فليس له موضع يُسند إليه رأسه”. والطوباوي قال: “تأمّل فقر يسوع من المغارة إلى اللحد (مولده – هربه إلى مصر – شغله في الناصرة – ليدفع الجزية – الجلجلة). إنّ فقر ابن الله يظهر بكلّ فظاظته على الصليب حيث لا محلّ ليُسند إليه رأسه، ولا نقطة ماء ليُروي عطشه، ولا قطعة قماش ليُغطّي جسده، شرابه الخلّ الممزوج بمرارة، وبالقرب منه جلاّدون يُلقون القرعة ليتقاسموا ثيابه؛ في المغارة وَجدت أمّه أقمطة لتقي جسد الطفل من البرد، أمّا على الصليب، فالفقر المدقع، ابنها عريان” .
وفي وعظه تعمّد السهولة، وهل أسهل من التعبير عن هذه النصيحة التي أعطى بموجبها أربع قواعد للتواضع فقال: “القاعدة الأولى: لا تنسب لذاتك شيئًا أو صفة ليست فيك.
القاعدة الثانية: أن ننسب إلى الله ما هو حسن فينا.
القاعدة الثالثة: لا تمدح نفسك أمام الناس.
القاعدة الرابعة: لا تعدّد نقائص القريب لتعلي صفاتك”

عمل الرحمة

جاء في كتاب الاقتداء بالمسيح: “قياس المحبّة أن تحبّ دون قياس″. هذه كانت محبّة الطوباوي الأب يعقوب. محبّته للمنبوذين من الناس، الذين يأنف أقربهم إليهم من الاهتمام بهم، فاستقبلهم واحتضنهم وأشعرهم بأنّهم بشر مفتدون بدم الحمل الإلهي، وأنّ مصيرهم العودة إلى الله الذي منه أتوا. وقد جاء في إحدى كتاباته: “الباري تعالى هو رحوم صالح، لا عن اضطرار لأنّ قوّة تضغط عليه، ولا بقصد الانتفاع، لأنّه كامل لا يحتاج إلى الخليقة، بقي أن نقول أنّ الله صالح من مجرّد محبّته إيّانا وتعطّفه علينا. هو إله جيّد حتّى نحو الأشياء التي لا يمكنها أن تقرّ بعرفان الجميل كالبقول، والنبات، والأشجار، والحيوانات. هو جيّد حتّى نحو الأشرار الذين يهينونه . “إنّه يشرق شمسه على الأخيار والأشرار” .
إنّا، وقد أسبغ الله علينا جميعًا هذه النعمة، فأقام من بيننا طوباويًّا، كان يعيش مثلنا على هذه الأرض، ليدعونا جميعا إلى الاقتداء بفضائله ولا سيّما بالاتّكال على العناية الإلهيّة، وعيش البساطة، والإقبال على أعمال الرحمة، نسأله تعالى، بشفاعة الطوباويّ الجديد، الأب يعقوب الكبّوشي، أن يُحلّ سلامه الإلهيّ في قلوب جميع اللبنانيّين، ويوثّق فيما بينهم روابط الإخاء والمحبّة، ويهدينا جميعًا إلى الاقتداء بمثَل هذا الطوباويّ لنصبح يومًا، بعد قضاء ما يكتبه الله لنا من عمر في الدنيا، في عداد القديسين.
22 حزيران 2008
الكاردينال نصرالله بطرس صفير
بطريرك انطاكية وسائر المشرق