كلمة الأخت ماري مخلوف الرئيسة العامّة لجمعيّة راهبات الصليب

في قدّاس إعلان المؤسّس أبونا يعقوب الحدّاد الكبّوشي طوباويًّا

… وكأنّني بِ أبونا يعقوب الحدّاد الكبّوشي يسمعُ ويَرى يسوعَ مشيرًا إلى مَن هو قريبي فلا يأبهُ بَعدها للفوارقِ والحواجزِ والانتماءاتِ في وطنِ الرسالةِ والبشارةْ، في وطنِ الانفتاحِ والتعاونِ والاحترامِ المتبادَلْ. فتكوَّنَت عنده القناعةُ الراسخةُ راسيةً أساساتِها على الصخرِ، ومنه أصلبْ. أعلنَ بعدها: طائفتي لبنان والمتألّمون أرضُ القداسة، والقداسةُ ليست حكرًا على أحد، بل هي فضيلةٌ، والفضيلةُ هي صلةُ التواصلِ بين الخالقِ وخليقتِه، وبالتالي هي رسالةُ الخلاص. رفَعَ المعلّمُ الإلهيُّ صوتَه معلنًا بأنّ القريبَ هو كلُّ إنسانٍ بحاجةٍ إلى ابتسامةٍ ومحبّةٍ وعنايةٍ والتفاتةِ حنان. كلُّنا، مهما كنّا، وأينما كنّا، وكيفما كنّا، بحاجةٍ لقريبٍ نُساعِدُه ولقريبٍ يُساعدُنا. سمعَ أبونا يعقوب تعليم المسيح، فنظر هو إليه، فإذا بِ مَن هو قريبي جماعاتٍ جماعات، وجماهيرَ جماهير ينتظرون مرورَ سامريّ. فما تردّدَ وانطلقَ ممتلئًا بالرجاء، يلملمُ ما تبقّى من أجسادٍ أضنتها الشيخوخة، وأنهكها المرض، وتلاعبَ الخللُ بتوازنها، وأزهقها الملل، ففتحَ قلبَه وذراعَيهِ ليضمَّهم قبل أن يباشرَ بوضعِ أساساتِ مؤسّساتِه، وقبل أن يمدّ يدَه الكريمةَ والمباركة، إلى أصحاب الأيادي البيضاء، الذين كانوا وما زالوا، يعرفون كيف يتعرّفون على إخوةٍ لهم في الإنسانيّةِ المعذّبة، فيجسّدوا دورَ السامريّ في ملاقاةِ القريب.
من أين لنا نحن جمعيّةَ راهبات الصليب، أن نمثُلَ في هذا الاحتفالِ المقدّسِ المهيب، الذي يفوقُ كلَّ وصفٍ، ويستحيلُ على كلِّ محاولةٍ للتعبيرِ عن أبعادِه، بحضرةِ الكنيسةِ الجامعةِ الرسوليّةِ المقدّسة، ولمرّةٍ هي الأولى، يتكرّمُ فيها صاحبُ القداسة البابا بنديكتس السادس عشر، فيسمحُ بإجراء مراسمِ التطويب، خارجَ حاضرةِ الـﭭاتيكان، وفي لبنانَ بالذات: هذا الوطنُ الذي قامت أساساتُهُ على تلاقي الحضارات؛ فمهما تصارعت، ومهما تباعدت أو تنافرت، فلا تزدادُ إلاّ رغبةً بالعيشِ معًا وسويّة، عيشًا مشترَكًا يرفض التعايشَ ومفاهيمَ الهدنةِ الهشّة. إنّه لبنانُ الذي ينفضُ جناحَيهِ كالنَسر، ليُسقطَ العداوات، فيسطعَ النور في قلب الظلمات، وتصحو السماءُ بإشراقةِ شمسِهِ، شمسِ الحرّيّةِ والكرامةِ والأخوّة.
من أين لنا نحن جمعيّةَ راهبات الصليب، أن نَمْثلَ في هذا اليومِ التاريخيِّ الفريد، بحضرة أبونا يعقوب الطوباويّ، لتتبادرَ إلى أذهانِنا قبل كلّ شيء، وتتحرّكَ في قلوبنا وضمائرِنا كلماتٌ تعلّمناها وحفظناها منذ الطفولةِ وأيّامِ الصبا: لسنا أهلاً ولا مستحقّاتٍ لهذه النعمة! ولكنّ النعمةَ مجّانيّة، وأنتَ يا أبونا قد زرعتَ روحَ المجّانيّةِ حيثما حللتْ، ونفحتَها في روحانيّة جمعيّتك التي أردتَ لها الصليبَ رمزًا للفداءِ والتضحياتِ والقيامة.
من أين لنا نحن جمعيّةَ راهبات الصليب، أن نتواجد في ساحة الشهداء، حيث جمعَت حبالُ مشانقِ الظلم، عظماءَ من لبنانَ افتدَوهُ بأرواحِهم، قرابينَ على مذابحِ الحرّيّةِ ورَفعةِ الجباه، وقد نجا أبونا بأعجوبةٍ يومذاك. هنا امتزجت دماءُ اللبنانيّين، كلِّ اللبنانيّين، لتجعلَ من الفرادةِ أهمَّ مِيزاتِ وطنِنا. وطنٌ صغيرٌ بجغرافيّتِه، وأكبرُ من الكبيرِ بتضامنِ جهودِ أبنائِه. وما حضورُكم في هذا اليومِ الذي يخرجُ من مدار الأيّام، في هذه السنةِ التي لا تعلَقُ في مداراتِ السنين، إلاّ البرهانُ الساطعُ على أنّ لبنانَ لا يحتلُّه الإرهاب، ولا تعيشُ فيه الفتن. وطنٌ لكلّ أبنائه، وطنُ الخيرِ والسلامِ والحبّ، فضائلُ جسّدَها الطوباويُّ أبونا يعقوب، وتمرّسَ بها، وجعلها صلاتَه وقربانَه.
وطنُ أبونا يعقوب، وطنُ القداسةِ والقدّيسين. وما شربلُ ورفقا ونعمةالله الذين أُعلنَت قداستُهم، إلاّ رمزٌ لتراثٍ نسكيّ، وقداسةِ أرضِ وشعبِ هذا الوطن، الذي يشهدُ اليومَ تطويبَ أبونا يعقوب: السامريّ الذي لم يتعب فكرُه، ولا توانت يداه، ولا خارت قِواهُ في العمل الدؤوبِ والمتواصلِ في خدمة القريب، يلتحقُ بخمسةَ عشَرْ قدّيسًا، وأربعةً وأربعينَ طوباويًّا، من رهبنة الإخوةِ الأصاغر الكبّوشيّين. وقد ذاعَ عرفُ قداستهم، فعطّرَ الكونَ كلَّه، فكانَ للقدّيسِ فرنسيسَ المؤسّس، ألتأثيرُ العظيم، في مساراتِ القداسةِ، شرقًا وغربًا.
في هذه المناسبة، نطلبُ شفاعتَهم، ونجدّدُ احترامَنا، ونعبّرُ عن عواطفنا البنويّة، لأمّنا الكنيسةِ الجامعةِ المقدَّسةِ الرسوليّة، متمنّينَ على صاحبِ النيافة، أن يحملَ إلى صاحبِ القداسة، الصورةَ الحقيقيّةَ عن لبنانَ الحقيقيّ، بلدْ تفاعلِ الدياناتِ الإلهيّةِ المؤمنة، والمبشّرةِ بأنّ الله واحد، والإنسانيّةَ بكلّيّتها، هي خليقتُه مع كلِّ ما يتخلّلُها من فروقاتٍ واختلافاتٍ وتمايزات.
أليومَ نجدّدُ عهدَنا لأبونا يعقوب، بأنّنا لن نحيدَ عن طريق الصليب. ولن ينالَ منّا التعب، ولن ندعَ سُرجَنا التي سلّمْتَناها ينقصُ زيتُها.
أليومَ نعاهدُ رئيسَ كنيسةِ لبنان، ورئيسَ البلادِ والمسؤولين، كلِّ المسؤولين، والمواطنينَ والمواطنات، بأن نبقى، كما دومًا، الخادماتِ الساهرات، السامريّاتِ ننحني على الآلام، وتبقى خدمةُ المرضى والمهمَّشينَ والضعفاء، والطلاّب، تحتلُّ كلَّ اهتماماتِنا.
يا أبانا الطوباويّ، لحظاتٌ وينتهي هذا الاحتفال، فترجعُ بناتُك إلى أديارهنَّ ومؤسّساتهنَّ، يعملنَ تحت ناظرَيكَ، وبوحيٍ من فيضِ إلهاماتِكَ وإرشاداتِكَ، طالباتٍ منكَ ان تكونَ شفيعَ لبنانَ والكنيسةِ لدى الله. فيبقى أبناءُ وطنِنا كما هم الآن، في ساحةٍ واحدة، لا تخترقُها تفرقة، ولا تستبدُّ بها أنانيّات، بل تكونُ الفروقاتُ بيننا مصدرَ غنًى ووفاقٍ وتعاون. فلترفرف نعمةُ الروحِ على الكنيسة، لتبقى قلبًا واحدًا، ويدًا واحدةَ تشهدُ بكلّ تجرّدٍ وشجاعة، للقيمِ ولتراثٍ على مدِّ التاريخ، وما قبلَ التاريخ، مرورًا بصورَ وصيدا وجبيل وبيروت، مدنِ الحضارات والأبجديّات، صعودًا إلى قمم جبالٍ أخذ الخلود معناه من أرزاتها وغاباتها، وصولاً إلى سهولٍ أغنت أهراءَ روما بخيراتها، واستضافتِ الشمسَ في أحضانها، فكان لها منه معبدًا… من كلِّ هذا التراث، إلى عناقِ سبعةَ عشر طائفة يرفعْن رايةَ لبنانَ الإشعاع، والتنوّع والتلاقي.
أيّها الطوباويّ، لقد أمضيتَ سنواتك لكلّ لبنان، وعملتَ لكلّ اللبنانيّين.
لتكن شفاعتُك مقبولةً، ويبقى لبنان.