مزار صليب دير القمر

تلّة صليب دير القمر تلّة تاريخيّة، غنيّة بآثارها ومعالمها، ترتفع عن البحر نحو ألف متر، وتبعد عن بيروت حوالي 85 كلم. تُشرف على البحر وعلى أكثر قرى لبنان الساحليّة والجبليّة في الشوف والمتن، كانت تدعى في الماضي قلعة صور، ربّما لأنّ النظر يمتدّ منها إلى مدينة صور.

بعد ان ارتفع الصليب فوق كنيسة سيّدة البحر في جلّ الديب سنة 1927، أراد أبونا يعقوب أن يرفع صليبًا آخر على رابية عالية من روابي بلدة دير القمر الشوفيّة، تُعتبر واحدة من أبهى روابي لبنان…

راودت الفكرة ذهن أبونا يعقوب في العام 1929، بعد أن اكتشف مقبرة تعود لشهداء مذابح 1860، إذ أراد أن يقيم نصبًا تذكاريًّا يعلوه صليب، تخليدًا لذكرى هؤلاء الشّهداء.

وبعد الحصول على إذن من رؤسائه، وبعد توفّر التبرّعات، باشر العمل على القمّة، فوق قطعة أرض تبلغ مساحتها نحوًا من ثمانية آلاف متر مربّع وقفها له المطران بستاني، راعي أبرشيّة صيدا ودير القمر في حينه.

في صيف 1932، انتهى العمل، وشُقّت الطريق من دير القمر إلى المزار الذي تمّ تدشينه في 13 أيلول من العام عينه في احتفال مهيب شارك فيه نحو عشرة آلاف شخص وفدوا من كلّ مكان، مصلّين ممجّدين الربّ… ويومها تمنّى أبونا يعقوب أن يصبح عيد الصليب عيدًا وطنيًّا لكلّ اللبنانيّين…

المزار اليوم، وبعد أن أعيد ترميمه من جرّاء ما حلّ به بفعل الحروب الأخيرة وتعاقب الجيوش على هذه التلّة الاستراتيجيّة، هو عبارة عن قاعدة من الإسمنت ذات شكل هندسيّ من أربع قوائم مائلة، مترابطة بما يشبه القناطر، بعلوّ ثمانية أمتار، يرتفع فوق سطحها صليب حديديّ من عشرة أمتار، وعليه مصلوبٌ من صنع فرنسيّ. وجه المصلوب مصوَّب إلى بلدات الإخوة الدروز، إلى بلدة بعقلين تحديدًا، وكأنّه يدعو أهلها والجوار إلى المحبّة والاتّحاد والعيش في قلب الجبل كما في قلب الله.

المزار، الصليب والقاعدة، مضاءٌ بالإنارة الكهربائيّة، يراه الناظرون ليلاً كتلة مشعّةً وكأنّه نجم معلّق في السّماء. تحيط بالمزار وعلى أطراف الساحة تحديدًا، مراحل درب الصليب الأربع عشرة، وهي اليوم تحتاج إلى ترميم، والجمعيّة بصدد إعداد دراسة لتأهيل التلّة.

لجهة الجنوب، تقع الكنيسة التي حملت اسم أبونا يعقوب إثر تطويبه في العام 2008، وهي عبارة عن قبو قديم بطول ثلاثين مترًا تقريبًا، وعرض حوالي خمسة أمتار، كانت في الماضي مستودعات للمؤن وللمياه، تستخدمها رهبنة مار فرنسيس للعلمانيّين مكانًا للراحة في ليالي تأمّلاتهم الطويلة.

يشهد المزار ثلاثة احتفالات كبرى سنويًّا تتخلّلها قدّاسات وزيّاحات، وهي في الأوّل من شباط من كلّ عام، ذكرى مولد الطوباويّ أبونا يعقوب؛ وفي 26 حزيران من كلّ عام، ذكرى وفاته؛ ومساء 13 أيلول من كلّ عام، عيد ارتفاع الصليب المقدّس.

في هذه المناسبات الثلاث، يتقاطر المؤمنون والمشاركون بالآلاف من المنطقة والجوار، ليكونوا في قلب الحدث والمناسبة، تمامًا كما تمنّى أبونا يعقوب يومًا في أن يكون رفع صليب دير القمر إحياءً لروح الإيمان في قلوبِ مسيحيّي هذه الأنحاء.