روحانيّته

الاتّكال على العناية الإلهيّة
لُقّب أبونا يعقوب بـِ “رجل العناية”. ترسّخت ثقته بهذه العناية أكثر فأكثر لمّا بدأ مشروع دير الصليب، ولم يحصل من رئيسه سوى على بركته فاكتفى بها كعربون لبركة الله. ولولا إلحاح زملائه، لما كتب لإحدى المحسنات في فرنسا؛ ولكم كان انذهاله عظيمًا لمّا تسلّم منها رسالة وفيها فرنك واحد. قال في نفسه: “أستحقّ ذلك. وإنّ الله الصّالح أراد أن أنّه هو المحسن الأوّل والأوحد لهذا المشروع.

حبّ الصليب
كان الصليب حلاوة قلبه ونبض أنفاسه.كان يدعو دائمًا إلى التّسلّح بإشارة الصليب ورسمها جيّدًا؛ وكان يمارس رياضة درب الصليب المقدّسة كلّ يوم وقد جعلها للراهبات جزءًا من صلواتهنّ القانونيّة. وفي نهار الجمعة العظيمة، يجتمع المؤمنون في باحة دير الصليب ليشتركوا مع أبونا يعقوب وراهباته بالاحتفال بدرب الصليب. كان أبونا يعقوب يحمل الصليب بطيبة خاطر فأصبح أليفه المحبوب، ولعلّ أحبّ صلاة على قلبه كانت: “يا صليب الرّب يا حبيب القلب”.

حبّ وإكرام القربان الأقدس
كان يبدأ نهاره بالتأمّل راكعًا أمام القربان، الذي اعتبره مصدر قوّته ونجاحه. وقد تاق إلى تكريمه مع الجماهير، ولطالما خاطبه قائلاً: “كم أفضّل أن أطوف بكَ في الشوارع بدل أن أقفل عليك بيت القربان”. لذلك راح يغتنم الأعياد والمناسبات ليقيم التطوافات والزيّاحات وساعات السجود. بتأسّفٍ شديد على فتور النّاس تجاه القربان، كان يقول: “أكبر جرم عصرنا، الابتعاد عن القربان. بدون قربان كنيستنا فارغة باردة حزينة…”

حبّ العذراء مريم
أبونا يعقوب رسول مريميّ، أحبّ أمّنا مريم العذراء حبًّا مميّزًا طبع كلّ حياته. كان يقول: “إنّ العبادة لمريم مهما كانت مقدّسة ليست سوى الباب المؤدّي إلى يسوع. مريم هي الواسطة، يسوع هو الغاية. مريم هي الطريق، يسوع هو البلد المقصود”. كان يتوّج إكرامه لأمّه الطاهرة بتلاوة مسبحة الورديّة الكاملة كلّ يوم.

حبّ الله والقريب
إنطلاقًا من هذا الإيمان بالصليب والقربان وأمّ المصلوب، امتلأ أبونا يعقوب بحبّ الله والقريب، ومشى في طريق الرّسالة فظهرت خصائصه العديدة في مجالات الوعظ والرّسالة، إذ كان واعظًا عمليًّا ينطق بالحقّ، يعظ ليفيد النّفوس، ولا يستعمل إلاّ الكلام السّهل الممتنع البعيد عن كلّ تعقيد. ولدينا نماذج كثيرة من عظاته، مكتوبة بخطّ يده. وفي كلّ عظة، وهذا أمر يدهش القارئ، وكم بالأحرى الذين سمعوه آنذاك، تتخلّل شروحه الشخصيّة ثلاثة عناصر أخرى ثابتة، لا غنى له عنها، وهي: آيات وأحداث وأمثال من الكتب المقدّسة، تتناول العهدَين القديم والجديد؛ ثمّ أقوال وأمثال من آباء الكنيسة، وأعلام الحياة الروحيّة والمكرّسة، قدّيسين وقدّيسات؛ ثمّ أخبار وأمثولات وتطبيقات عمليّة من رجالات التاريخ، أو من الأحداث اليوميّة المعاصرة. وبعد الوعظ، كان يمضي ساعات متتالية في كرسيّ الاعتراف فتتطهّر النفوس وترتاح الضمائر.